Monday, October 13, 2025

بسم رب البحر مرساها ومجراها



أبطال أسطول الصمود حركّوا العالم وأشعلوا الرأي العام. قوافل مدنية عالمية هزّت جيشاً يمتلك أحدث الأسلحة أمام وسائل الإعلام، حدثت على إثره انتفاضة حقيقية للشعوب. أدّوا رسالة إنسانية تجاه غزة العزّة وتركوا أثراً لن يُمحى. مبادرة رمزية متسلحة بالإيمان والسلام، والأمل المتجدد في محاولات لإيقاف الإبادة وكسر الحصار وفتح ممر إنساني لتوصيل الإمدادات والمساعدات. الأسطول الشعبي من كل الأوطان العربية والإسلامية والأجنبية، سائرون بإذن الله وتحت كنفه وعنايته. بسم رب البحر مرساها ومجراها، بسم الله سعيها ومبتغاها، بسم الله وعين اللهِ ترعاها. والرياح تجري بمشيئة رب العباد، لله نحن وموج البحر والسفن.

أرادوا أن يمحوا فلسطين من العالم. فأصبح العالم كله فلسطين

أسطول الصمود لم يتمكن من الوصول إلى غزة، لكنه كسر ما تبقى من الصورة التي تحاول إسرائيل أن تلمعها أمام العالم. لم يكن الوحيد إلا إنه الأكبر، سبقته مبادرات عدة مرتبطة بأسطول الحرية منذ اندلاع الحرب الحالية. فخشي الكيان من نجاح وصولهم وتحقيق أهدافهم، ويسجل بادرة ممكنة ستتكرر. ولهذا اعتدوا عليهم بعلانية بقصف متواصل وتعطيل متعمد واعتقالات وحشية وشوهّت صورتهم بوصفهم إرهابيين.

من أول يوم انطلق به الأسطول تجاه غزة، لم تكن سوى رسالة سلام طوّعت أمواج البحر، فإذا بها تتحول لشاهد حي على وحشية وبربرية كيان مصطنع لا يعرف إلا لغة الدمار والإبادة تجاه شعب أعزل، دون وازع أو رادع. يحارب كل معاني الإنسانية، تجاوزت حدود فلسطين لتطال ضمير العالم بأسره. مع انطلاقة الأسطول أشعلنا وسائل التواصل الاجتماعي بدعمهم ومساندتهم لنوصل صوتهم ورسالتهم عبر نشر صورهم وفيديوهات رحلتهم الشجاعة. وعبر كل وسيلة مشروعة كالدعاء، المظاهرات السلمية، والاستمرار بالمقاطعة الاقتصادية. وإن توقف هذا الأسطول أو غيره، علينا ألا نكف عن المحاولة بدعم مثل هذه المبادرات، فأثر الخير لا يضيع. وسائل دعمنا ستخلق ضغط مؤثر لتغيير المواقف من مجرد استنكار إلى دعم عملي سياسي ومجتمعي أكثر حزماً ضد الكيان. والمطالبة بتصحيح المفاهيم وتسمية الأحداث بمسمياتها الصحيحة. شعارنا ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ﴾.

ما ضرّنا بُعد السماء وإن علت .. ما دام رب السماء أقرب من حبل الوريد

لن يُدرِك الإنسان معنى الشيء قبل أن يُجرّبه بذاته. فلا التصوّرات المُسبقة ستُخبره عن جوهره، ولا تجارب الغير ستُوصله إلى لُبّ محتواه. لكل إنسان تجربته الخاصة التي تختلف حسب مُعطياته وظروفه وإخلاصه في سعيه. وهذه التجربة الشخصيّة هي (الفيصل) لكل فرد. إن لأسطول الصمود دروس وقيم حياتية عميقة: لم يخرجوا للبحث عن المجد، بل شرف محاولة نصرة إخوانهم في غزة بالأفعال رغم الخطر. ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾، أبحروا بكل شجاعة رافعين راية الرحمة والإنسانية والأمل، لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسّهر والحمّى).

حين تنال ما تريد فهو توجيه من الله، وحين لا تناله فهو حماية من الله

السابع من أكتوبر لم يكن إلا فصل من فصول حكاية نزيف إنساني لم يتوقف. مستشفيات ومراكز صحية دمّرت بالكامل وخرجت عن الخدمة، وأخرى تعمل في ظروف شبه مستحيلة بلا أجهزة ومعدات وأدوية. وشعب من بين قتيل وجريح ومعاناة المجاعة وسوء التغذية الحاد. الثقافة التي نجدها في أهل غزة نجدها في قوله تعالى ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. قلوبهم مؤمنة بيقين الله ورحمته وثقتهم بحكمته، مهما اشتد البلاء. لأن الفرج قريب، والخيرة فيما اختاره الله. النصر بالمعيار الإلهي والمعيار الدنيوي موجود. والنضال الفلسطيني متعدد الأشكال والأدوات، ثابت في المواقف، ثابت في اللقاء والمواجهة أمام الباطل، ثابت على الحق. ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾.

You are not alone, and one day the sun will shine

آخر البيالة: العلم الفلسطيني علم كرامة شعب مضطهد، رمز الشموخ والعزّة والنضال. يمثلّ اللون الأسود الحداد والظلم الذي يعاني منه أهل فلسطين ويرمز إلى الكفاح والتاريخ. واللون الأبيض يمثل السلام والوحدة من أرض السلام الذي لم يَرَ يوماً أمناً وسلاماً. اللون الأخضر يمثل الأرض والزيتون. اللون الأحمر يمثل دماء الشهداء الفلسطينيين التي سفكت.

بيضٌ صنائعنا .. سودٌ وقائعنا .. خُضرٌ مرابعنا .. حمرٌ مواضينا

Monday, October 6, 2025

وقعت في قلبي آية - بر الوالدين


﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ۖ﴾

من يتدبر القرآن والسنة النبوية، يدرك أهمية بر الوالدين والإحسان إليهما في الدين. فقد وردت كلمة الوالدان في القرآن الكريم في أربعة عشر موضعاً، وبرّهما في ثمانية مواضع. برّهم من كمال الإيمان، حيث ربط الله تعالى طاعة وبر الوالدين بطاعته تعالى، وعطف برّهم على توحيده وترك الإشراك به، والدليل الآية الكريمة: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّـهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. وفي آية أخرى، قرن شُكره وحمده بشُكر الوالدين، قال تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾. وقد أثنى سُبحانه على عددٍ من أنبيائه لبِرّهم بآبائهم. فقال تعالى بنبيّه يحيى عليه السلام: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا * وَبَرًّا بِوالِدَيهِ وَلَم يَكُن جَبّارًا عَصِيًّا﴾. وبنبيّه عيسى عليه السلام: ﴿وَبَرًّا بِوالِدَتي وَلَم يَجعَلني جَبّارًا شَقِيًّا﴾. ودعاء نبيه نوح عليه السّلام: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً﴾. وبر نبيه إبراهيم عليه السّلام بأبيه: ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً﴾. قال النبي محمد ﷺ: (من أرضى والديه فقد أرضى الله، ومن أسخط والديه فقد أسخط الله).

كما حثّ الله عز وجل على برّهما في كثير من المواضع، أهمها الآية التي نزلت في الصحابي سعد بن أبي الوقّاص رضي الله عنه، وأمّه حَمْنَة بنت سفيان: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. عندما أسلم سعد بن أبي الوقّاص، حلفت أمّه ألّا تأكل وألّا تشرب وألّا تكلّمه أبداً حتى يكفر. فحاول أن يطلب منها الرضا، إلاّ أنها رفضت بالرغم من أنّه كان أحب ابنائها، وقالت: "زعمت أنّ الله أوصاك بوالديك، فأنا أمّك وأنا آمرك أن تترك الإسلام"، فلبثت ثلاثة أيام لا تأكل ولا تشرب؛ حتى فقدت الوعي من الإجهاد والتعب. فشكى سعد إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ فأنزل الله سبحانه وتعالى هذه الآية الكريمة.

أمي الحبيبة الحضن الدافئ، أبي الغالي السند الذي لا يُتعوّض

بر الوالدين ليس واجباً دينياً فحسب، بل قصة جميلة نكتبها بمشاعر الحب والاحترام والتقدير والاهتمام وحسن المعاملة. هي دِين ودَين، دِين يأخذك إلى الجنة، ودَين يرده إليك أبنائك. لقوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾. لا يغلق أمامك باب في الدنيا والأخرة إلا ومفتاحه برّ الوالدين. هم نور البيت وشريانه، وسر السعادة والرضا، نعمة تستحق الشكر والامتنان. برّهم سبب في مغفرة الذنوب ودخول الجنة. وصلهم سر البركة بالعمر والرزق، لحديث النبي ﷺ: (مَن سَرَّهُ أنْ يُمَدَّ له في عُمُرِه، ويُزادَ في رِزقِه، فلْيَبَرَّ والِدَيهِ، ولْيَصِلْ رحِمَه).

مع التقدّم في العمر ندرك أن الشعور "أريد أمي وأبي" لا يعرف عمراً محدداً، ولا تمنعه المسافات، ولا يوقفه الزمن. كل شيء حولنا متغير وغير مستقر عدا قلب وحنان الوالدين، يبقى ثابت كما هو. كبرنا ولازلنا في عينهم صغاراً. نهرب لحضنهم من ويلات القدر، وخيبات الأيام. لأنهم الوطن الفسيح حين تضيق الأمكنة. أدركنا أنهم لم يكونوا كاملين ومثاليين، بل كانوا بشراً يخوضون تجربتهم الأولى في الحياة مثلنا تماماً. هم القدوة والسند والآمان، يحملون مسئولية العائلة ومسئولية أخطاءهم وتضحياتهم كما يحملون نواياهم الطيبة. يحاولون قدر المستطاع تربيتنا على الطيب والمحبّة والرحمة بما توفر لهم من مقدرة ومعرفة وظروف. خلقوا لنا من المنزل بيئة محبة ذات ثراء اجتماعي وعائلي لا حدود للخيال والأحلام فيه. استلهمنا حب العلم وحب التجربة والاستكشاف، وعدم الخوف من الوقوع بالخطأ وتكرار المحاولة.

كتبت ومسحت وكتبت ومسحت، ولا زِلت أكتُب وأمسح، وإلى الآن لم أصِل لـكلام يوصف ما بداخلي من شعور وفخر يوفيهم حقهم

حين أجلس مع أبي في حديقة المنزل نتسامر على صوت أم كلثوم، فهو البر بالكلام الطيب، لقوله تعالى: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلا تَقُل لَهُما أُفٍّ وَلا تَنهَرهُما وَقُل لَهُما قَولًا كَريمًا﴾. وحين أسهر مع أمي لمشاهدة فيلم أو الخروج للسوق، فهي المعاملة الحسنة والمصاحبة، لقوله تعالى: ﴿وَاخفِض لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحمَةِ﴾. وعندما أشتري لهما شيئاً حميلاً يحبونه أو أتصدق عنهما، فهو البر في المال، لقوله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا القُربى حَقَّهُ﴾. وأخيراً الدعاء لهم لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة، إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له". اللهم اجعل أمـي وأبي ممن تقول لهما نار جهنم أعبروا، فإن نوركم أطفأ ناري. وتقول لهما الجنة أقبلوا، فقد اشتقت لكم قبل أن أراكم.

دعوة قصيرة من أُمك تُغنيك عن ألف كلمة حُب

هذه التفاصيل الصغيرة تحمل ثمرة خير تُبقي القلب دافئاً وصادقاً. هي ممارسات يومية بسيطة تعزز الإحساس بالانتماء والحب. هما نعمة تعجز الحروف عن وصفها ويعجز اللسان عن حمد الله وشكره. ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾.

تحية لأبي الذي علّمني كيف أكون رجلًا رغم أنني ابنته. تربيته غرست فيني القوة والاعتماد على النفس والتفاني في العلم والعمل. تربية ألا أكون نسخة من جنسنا، بل نسخة أصلية وأصيلة من ذاتنا، قوية بما يكفي لتواجه الحياة. أؤمن بأن أي شيء أطمح له أستطيع تحقيقه، ولا أستصغر دوري كفرد في المجتمع والعائلة. أمي، اليد التي تحضن بحُب، والنبض الذي يربطنا بالحياة. والروح التي تحتمل، تُعطي دون أن تشتكي، تُضحي دون أن تُظهر الضعف. تعلمنا منكِ أن نسير في الرحلة يحرُّكنا الإيمان، وإن كنّا لا نعرف النهاية.

طيبة الأب أعلى من القمم، وطيبة الأم أعمق من المحيطات

كبرنا ونضجنا، لم نعد أطفالاً. الآن أمي وأبي يحكون لي همومهم وأنا أخفي همومي عنهم، حتى لا أقلقهم. جزء من النضج أننا نحمل أحزاننا بصمت لأننا نود حماية من نحب من ثقلها. لكما في حياة كل منا دورٌ لا يُنسى، وجميلٌ لا يُرد.

آخر البيالة: عندما أتأمل والديّ، وأرى ملامحهما اكتست بالتجاعيد، ابتسم. هذه ليست تجاعيد، ‏إنها ذكريات. مسيرة حياة بمسرّاتها تمارس فن النحت على الوجوه.