﴿وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا
بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا
صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾
تفسير الآية: ولا تجعلوا من الأيمان
والعهود التي تحلفونها خديعة لمن حلفتم لهم، تبعاً لأهوائكم ومصلحتكم، فتزل
أقدامكم بعد ثبوتها على الصراط المستقيم. وتكونون السبب في صدّ الناس عن دين الله،
ولكم في الآخرة عذاب عظيم. نزلت الآية للمبالغة في نهي المسلمين من نقض العهود
والمواثيق من أجل الربح الدنيوي، وحثهم على الوفاء بالعهد، وخصوصاً فيما يتعلق بمبايعة
النبي صلى الله عليه وسلم.
وقعت في نفسي هذه الآية لأننا نعيش في زمن
كثُرة فيه الفتن والمغريات، وأصبح القابض على دينه كالقابض على الجمر. والثبات
مطلب عزيز، أن تتمسك بأيمانك وترفض بيعه مقابل مكاسب دنيوية. نزلت الآية في العهود
بين الخلق، فما بالك بالعهود مع الخالق. أجاهد نفسي على الثبات، وأسعى دائماً لحث
أبنائي وأهلي، نتعاون على الامتثال، ندعو السميع ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا
صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾.
الحجاب فريضة شرعية ثابتة. ونحن كنساء
مسلمات، علمنا حكمه وعملنا بما يقتضيه. هذا التكليف هو لنا تشريف، عرفنا قيمته
وفضله، وعاهدنا الله على الالتزام به والدفاع عنه، وحث أخواتنا على الالتزام به. وللأسف
نرى حكومات عدة تضيق على المسلمات وتحظر عليهن أبسط حقوقهن وهو التعليم في بيئة
تحفظ كرامتها، وتتعامل معها بالعدل. الحجاب ليس جريمة في مجتمع يرفع شعار الحرية
الشخصية، فقامت تجاهد في الدفاع عن حقها في الستر، وثبتت على مبدأ الحرية الدينية كحق
مشروع لا يقبل التجريم أو المساس.
﴿وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ
عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾
الثبات على العقيدة والاستقامة نعمة إلهية
وتوفيق رباني. فقد حذر الله عز وجل من زلل الأقدام بعد ثبوتها لا بعد تذبذبها. أي مهما
كان ثبات الأقدام على الصراط المستقيم، يبقى الخوف عليها من الزلة والانتكاسة. تعبير
بليغ يدل على أن الخطر لا يهدد فقط من هو في أول طريقه أو المضطرب فيه، بل حتى من
استقام أمره وثبّت الله قدمه على الإيمان والحق. القلوب بين أصبعين من أصابع
الرحمن يقلبها كيف يشاء، لذلك خاطب الله نبيه والمصطفى من خلقه ﴿وَلَوْلَا أَن
ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾. لذلك كان رسول
الله ﷺ يُكثر من قول: (يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ).
الحجاب عبادة وهوية إيمانية ثابتة لا تتغير
بتغير الزمان والمكان، وليس عزلًا عن جمال الحياة وصيحات الموضة. هو تاج العفة وسياج
الاحترام وطاعة تُزهر كرامةً ونورًا. وللأسف الشديد هناك عدد من النساء اللاتي تعمدن
خلع الحجاب، ونقضن بذلك عهداً اتخذنه مع الله عز وجل. وشتان بين من نزعت
الحجاب طوعاً من أجل دنيا فانية وهي تعيش في مجتمع إسلامي له قوانين وتشريعات يرعى
الاحتشام ويصونه، وتلك التي تناضل من أجل حجابها في مجتمع علماني معادي يسعى لطمس
هويتها وتجريدها من حريتها الشخصية باسم التحرر الزائف.
﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ
إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾
آخر البيالة: الثبات لا يكون بكثرة الاستماع للمواعظ إنما يكون
بتطبيقها، ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا
لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾. يختبرك الله في مواقف الحياة لتثبت صدقك وثباتك
على قيمك. لتعرف نفسك وقيمة دينك حين تغريك المصالح، وتتعارض مبادئك مع رغباتك.
فالقيم الحقيقية تظهر حينما يصبح التمسك بالحياة مكلفاً.








