تتهيأ النفوس بهدوء لاستقبال أعظم شهور السنة وأجملها. نبدأ بتغيير عاداتنا اليومية لتطمئن قلوبنا وتأنس نفوسنا، وتُصبح حياتنا أكثر سكينةً وأعمق توازناً. فشهر رمضان فرصة حقيقية نُجدد فيها العهد مع الغفور التوّاب. والصيام عبادة عظيمة نُطهّر به النّفس ونزكّيها، ونصلح به القلب من الأمراض الدنيوية.
يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- مُبشراً: (أتاكم شهرُ رمضان، شهرٌ مباركٌ، فرض اللهُ عليكم صيامه، تفتحُ فيه أبوابُ الجنَّة، وتُغلق فيه أبوابُ الجحيم، وتُغَلُّ فيه مردةُ الشياطين، وفيه ليلةٌ هي خيرٌ من ألف شهرٍ، من حُرِم خيرها فقد حُرِم). لذلك يُعد الشهر الفضيل فرصة عظيمة لتغيير العادات السيئة، والارتقاء بالعادات الحسنة. لنضع هدف في إصلاح النفس وتربية الذات وتنمية العقل ونحرص على تحقيقه خلال الشهر الفضيل.
واجعلنا ممن كان سعيه موصولاً بالخير، مليئاً بالجبر،
مُباركاً بالأثر
نبحث عن السعادة والفرح بعمق في الماديات، لكننا نجدها في أبسط العبادات والعادات. التي إن دوامنا على فعلها أثقلت ميزاننا بالحسنات، وجمّلت أيامنا بالسكينة، وتركت أثراً جميلاً في نفوسنا. املأ دلوك بالعبادات والعطايا، فلن تخرج من الدنيا بما أخذت وإنما بما أعطيت. وحين نعطي رغبة بالأجر، سيعود لنا العطاء بصور أجمل مما نتوقع. فلا تندموا على عطاء أو خير قدمتموه لأحدهم وإن لم يستحقه. كونوا دائماً على اعتزاز بنقاء قلوبكم وطهارة نفوسكم. أحب هذه العبادات والعادات لدي:
عبادة تقييم علاقتي بربي والسعي لتصحيح الاعوجاج لأكون على الصراط المستقيم. صلاتي، صيامي، دعائي، ومصاحبة القرآن قراءةً وتدبراً.
النعم والأرزاق المنسية: بيت دافئ وآمن، عافية البدن والقلب، سكينة واطمئنان روح. صلاح الذرية والصحبة الصالحة. وبالشكر تدوم هذه النعم، الحمدلله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، اللهم إنّي أعوذ بك من زوال نعمتك وفجاءة نقمتك وتحوّل عافيتك وجميع سخطك.
عبادة الرضا وحسن الظن بما قسمه الله لنا أياً كان. قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: يقول الله تعالى: (أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني).
عبادة التفاؤل بالله. "أنا عند ظن عبدي بي" والتوكل في أمر دينه ودنياه، والثقة به في تسهيل ذلك مهما تأخر. ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾، فليكن الله كافيك وسندك في هذه الحياة الفانية.
عبادة التأدب: كن مؤدباً في حزنك، حامداً في ألمك، فالحزن كما الفرح هدية من رب العباد. سيمكث قليلاً ويعود إلى ربه حاملاً معه تفاصيل صبرك. لحظة شعور الإنسان بمعية وحنان الله عليه لا تضاهيها طمأنينة ولا يشبهها سرور.
عبادة النوايا البيضاء ترتب لصاحبها أجمل الأقدار وتسخر له أطيب الأحداث وتفتح له أعظم الأبواب. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيّات، وإنما لكل امرئ ما نوى). يعظم ثواب الأعمال بحسب ما يقوم بقلب العبد من الإيمان والإخلاص، حتى ولو لم يعمل بما نوى. لقوله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إنك لن تعمل عملاً تبتغي به وجه الله إلا أجرت عليه).
عبادة صلة الرحم وبر الوالدين. إن ثواب بر الوالدين عظيم، والإحسان إليهم سهل ويسير بالطاعة لهما، والرفق بهما. صلة الرحم من الإيمان وسبب للبركة في الرزق والعمر. قال ﷺ: (مَن أحبَّ أن يُبْسَط له في رزقه، وأن يُنسأ له في أثره فليصل رحمه) وأعظم الرحم الوالدان.
عبادة قضاء حوائج الناس المادية والمعنوية. عندما يحتاجك البعض كي تعينه وتدعمه لتحقيق أهدافه أو لقضاء حاجة، أو نصحه وتشور عليه وتشجعه على فعل الصواب. فإنك تمده بالطاقة والقوة التي تعينه على المواصلة والإقدام على العمل.
أجيد حياكة معاطف الطمأنينة .. لأنني أعرف جيداً ماذا يفعل
صقيع القلق
عبادة الكلمة الطيبة وحسن الاستماع. لقوله تعالى: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَىٰ صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾. اللباقة في الحديث وحسن اختيار الكلمات والأسلوب رزق ونعمة من الله. كلمة لطف تجبر بها الخواطر، شكر صادق تكسب به قلوب الناس.
عبادة زكاة العلم: الاستمرار في التعلم وتنمية المهارات. ومع وجود التكنولوجيا والهواتف المحمولة انشر العلم من مصادر رسمية موثوقة في وسائل التواصل الاجتماعي، ولكل معارفك لتعم الفائدة.
عبادة التغافل وعدم التدخل فيما لا يُعنينا، وترك التحليلات التي تؤدي إلى سوء الظن. لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾. وقول رسول اللَّه ﷺ: (مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ).
عبادة الإمهال والصبر: تمهل واعط المخطئ فرصة لعلك تكون له مُعين. واعتق لسانك عن الناس ليعتقك الله من الابتلاء، لأنه من عاب ابتلى، لقول النبي: (لا تتبع عورات أخيك). ما كل موقف يستحق الرد، وما كل خطأ يستحق التصحيح، وما كل إساءة تستوجب الرد. ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾. كن سهل المرافقة والعشرة، لتدوم العلاقة ويستمر الود والوصل. اعتذر إن أخطأت، واقبل الاعتذار من الناس. والعفو عند المقدرة.
ليس سهلاً أن تخلق لنفسك روحاً محببة أو شخصية جذابة، ولكن من السهل أن تكون خلوقاً ليرتاح بقربك الآخرون. - نيلسون ماندريلا
عبادة النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ووقف الشائعات عندك. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة). والتذكير بأعمال الخير وغيرها.
خدمة الدين والوطن بأمانة وإخلاص. فالوطنية ليست شعارات نتغنى بها، بل بالاجتهاد في القيام بمسؤوليتنا وواجباتنا لنهضة الوطن وريادته والدفاع عنه والحفاظ على استدامته. الدفاع عن الدين الإسلامي ونشره، وتصحيح المفاهيم المغلوطة عنه بالمعاملة الحسنة والأخلاق الحميدة. فنحن خير أمة أخرجت للناس.
عبادة التبسم: الابتسامة تأخذ حيزاً صغيراً من وجهك، لكنها تأخذ حيزاً كبيراً من قلوب الناس. جهّز ابتسامتك قبل أن تصافح أحداً، فالمصافحة بلا ابتسامة لا تقرب قلباً ولا تمنح سعادة.
عبادة إماطة الأذى وإزالة كُلِّ ما يُؤذي الناس. فمن آداب الطريق المحافظة على نظافة البيئة والأماكن العامة كالمساجد والمتنزهات والطرق، عدم إعاقة المرور. الدين الإسلامي دين مجتمعي، يحث على التعاون والتآلف وتقديم المصلحة العامة.
عبادة الصدقات العينية، توزيع الطعام الزائد سواء من المنزل أو المطعم، الملابس الفائضة، سقيا الماء للعاملين في الطرق والأسواق المفتوحة، وتزويد الأماكن العامة بما ينقصها.
الرفق بالحيوان: بتوفير المأكل والمشرب وحمايته وعدم تعريضها للأذى والقتل الجائر. قال رسول الله لفتى من الأنصار: (ألا تتقي الله في البهيمة التي ملّكك إياها، لقد شكا إليّ جملك أنك تُجيعه وتُعذبه).
الدين الإسلامي شجرة جذعها عبادات شعائرية لله عز وجل، وفروعها عبادات تعاملية وحسن الخُلق مع خلق الله. هل لديك عبادة أو عادة لم أذكرها، وتود أن نستفيد منها؟
آخر البيالة: كم هي جميلة معاني هذه الآية: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ۖ﴾، إن طبقناها عشنا حياة بسيطة في ماديتها، غنية في معناها، جميلة في أثرها. فهناك حكمة قديمة تقول: (إن ضيّعت مكان بذورك سيخبرك المطر أين زرعتها). فازرع الخير في كل أرض وتحت أي سماء ومع أي أحد، لأن أثر الخير لا يضيع وستجده من حيث لا تحتسب.
No comments:
Post a Comment