في زحام الوفرة الرقمية وتنوع البرامج الواسع، تحولت الألعاب الإلكترونية إلى مجتمعات رقمية تفاعلية مفتوحة تجمع أبنائنا مع أفراد من مختلف أنحاء العالم. يعيش فيها الأبناء تجارب حقيقية، ويلعبون مع أشخاص من مختلف أنحاء العالم. من خلالها يتأثرون ويتشكّلون نفسيًا وسلوكيًا. مما يجعلها منصة ذات إمكانات إيجابية إذا ما تمت إدارتها بشكل آمن، وتفعيل سياسات الحماية بشكّل فعّال. وإمكانات سلبية إذا ما تم التصدي لها.
حدثنا النبي صلى الله عليه وسلم في المسئولية الدنيوية في الحفظ والرعاية: (أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) متفق عليه.
إن مسئولية الرجل والمرأة التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث عظيمة ولاسيما في هذا الزمن. فإن قاموا بالواجبات من رعاية وإحسان وحفظ الحقوق بعدل، صلحت الأسرة. وصلاح الأسرة دعامة أساسية في صلاح المجتمع. أبنائنا مستهدفون في أنفسهم وعقيدتهم ودينهم وطريقة تفكيرهم وأخلاقهم، وعُرضة للتلاعب والاستغلال مما يؤدي إلى الانعزال واكتساب سلوكيات عدوانية مدمّرة. فليكن كلٌّ منّا في بيته عيناً راعية، وأذناً واعية، وصدراً حانياً. فدورنا كأولياء أمور يكمن في معرفة ما تحويه أجهزة الأبناء الإلكترونية من برامج وألعاب وتصنيفها. التوعية الرقمية والتثقيف من مخاطر الإنترنت والألعاب الإلكترونية، والصلاحيات الممنوحة والرقابة عند استخدام هذه البرامج. تقوية الجانب النفسي والديني وكيفية الصمود أمام المغريات، وطرق التعامل مع الضغوط والتحديات ليستطيع مقاومة المغريات والتعافي بطريقة صحية ومتزنة. التحكم بأدوات وإعدادات هذه البرامج والوقت الذي يقضونه أمام الشاشة. الانخراط في نشاطات بديلة. وأخيراً مشاركة الوالدين اللعب لضمان اللعب في بيئة آمنة ومناسبة لعمرهم.
لا أخفي عليكم أنني أعاني من إدماني وإدمان أبنائي بالأجهزة الالكترونية. إلا أنني أسعى جاهدة في الحوار مع أبنائي عن هذه الألعاب ومخاطرها، والقيام بأنشطة جماعية ترفيهية وتنمية المهارات والمواهب. وعندما يلعب أبنائي هذه الألعاب الإلكترونية فتكون في شبكة خاصة تجمعهم مع أصدقائهم وأهلهم، ولا يفعّلون خاصيّة المحادثة مع الغرباء.
الحوار تجارة ناجحة وجسر الاستقرار يربط بين أفراد الأسرة، وأمر الله به نبيه فقال: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. لغة الحوار نوافذ مفتوحة للنقاش والاستماع وتبادل وجهات النظر. والبيوت تُدار بالود لا بالند، وتُعاش الحياة بالاحترام المتبادل والحب والتسامح لا بالإهمال والتجاهل والعناد.
قامت الدولة مؤخراً بحظر أحد هذه التطبيقات بهدف حماية الأطفال والمراهقين من المحتوى الذي يتعارض مع القيم الأخلاقية والدينية للمجتمع. ويُعد الحظر أحد الحلول لمواجهة أضرار وسلبيات هذه الألعاب، لكنه يفتح المجال لمخاطر أخرى كالتحايل للوصول إليها واستبدالها بألعاب أخرى مشابهه لها. وهذه الجهود تحتاج إلى دعم من جميع فئات المجتمع والمؤسسات المعنية، لأنها مسؤولية مشتركة. إلا أن الدور الأكبر يقع على عاتق الأسرة في حماية الأبناء من هذه المخاطر، وليس الاتكال على الجهات المعنية في التصدي لهذه الظاهرة. وأتمنى إدراج مواد تعليمية في المدارس، وطرح برامج تثقيفية ومبادرات توعوية من قبل الجهات المختصة، تهدف إلى التوعية بمخاطر الألعاب الإلكترونية وإدمانها، وتعزيز الوعي الصحي وكيفية الاستخدام الصحي والمتوازن للأجهزة الإلكترونية. على أن تشمل الأبناء وأولياء الأمور.
آخر البيالة: خلف كل نافذة قصة .. وخلفها قلوب مختلفة تنبض بالحب، بالحنين، بالألم، بالفقد، وبما لا يحكى أبداً ..
.jpg)

No comments:
Post a Comment