وقعت في قلبي آية الإنفاق: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ ۖ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾، وفي آية أخرى ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ ۖ قُلِ الْعَفْوَ﴾. نزلت هذه الآية قبل فرض الزكاة. ولغوياً يختلف الإنفاق عن النفقة. الإنفاق هو إخراج المال في الطاعات والمباحات كالصدقات. والنفقة هي المؤن من كسوة ومال وسكن، واجبة على من يعول من زوجة وولد وخادم، مقدرة بالكفاية وتختلف في مقدارها باختلاف من يجب له النفقة.
وفي تفسير السعدي للآية: سأل الصحابة النبي عن مقدار ما ينفقونه من أموالهم وعلى مَن؟ فقل لهم يا محمد: ما أنفقتم من أموالكم وتصدقتم به، فأنفقوه على آبائكم وأمهاتكم وأهلكم، ولليتامى والمساكين وابن السبيل. فإنكم ما تأتوا من خيرٍ وتصنعوه إليهم فإن الله به عليم، وهو مُحْصيه لكم حتى يوفِّيَكم أجوركم عليه يوم القيامة، ويثيبكم عليه. ويسّر الله لهم الأمر وأمرهم أن ينفقوا العفو، وهو المتيسر من أموالهم الذي لا تتعلق به حاجتهم وضرورتهم. فالإسلام دين يسر وليس عسر، لا يُكلفهم ما يشق عليهم.
بالرغم من أن الآيتين تحدثتا عن إنفاق المال، إلا أنني أرى أنه يشمل كل أمر خير قابل للإنفاق في سبيل الله من غير إسراف ولا تضييق، ومن غير من ولا أذى، فيؤجر المرء على سعيه في الخير. كم هي جميلة معاني هذه الآية: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ۖ﴾. فإن كانت سعتك في الكلمة الطيبة والابتسامة الصادقة وحسن الاستماع، فأنفق منها. وإن كانت سعتك في معاونة الآخرين وجبر خواطرهم والإصلاح بينهم، فأنفق منها. وإن كانت سعتك في نشر العلم والمعرفة، فأنفق منها. وإن كانت سعتك في الدعاء وإن كان بظهر الغيب، فأنفق منها. وإن كانت سعتك في التطوع في خدمة الوطن والدين، فأنفق منها. وضع قول الله تعالى نصب عينيك ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾. حيث تدل على أنه ينبغي للمؤمن أن يجود لله بما يُحب. المرء لا يمنح إلا بما يفيض به قلبه، فمن يعطي بنية صادقة طيبة، يعود إليه العطاء بنفس الطريقة. فلا ترحل عن هذا الدنيا وفي جعبتك خير العطاء تُثقل به ميزان الآخرة، اترك بصمتك المتميزة بها.
انفق من سعتك وكن في مواطن الخير وجبر الخواطر وصنائع المعروف، فالحياة رحلة ولا يبقى منها إلا كرم الأخلاق وحُسن التعامل والأثر الطيب. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صاحب المعروف لا يقع، وإن وقع وجد متكأ). قال تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ۖ ﴾، ازرع الخير في دروب الآخرين ليُسخِّر الله لك الخير من حيث لا تحتسب. املأ دلوك بالعبادات والعطايا، فخيراً تعمل أجراً تلقَ. يسّر ولا تُعسر، تجد أمورك مُيسّرة، فالجزاء من جنس العمل. لا تندم على خير قدمته لأحدهم وإن لم يستحقه، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اصنع المعروف في أهله وفي غير أهله، فإن صادف أهله فهو أهله وإن لم يصادف أهله فأنت أهله).
واعلم أن حوائج العباد مقضية، لكن يختارك الله لتقضيها تفضيلاً منه عليك. ويرسل بعضنا لبعض رحمات ونفحات تنعش الروح. قال رسول الله: (المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه. ومن كان في حاجة أخيه، كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة، فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلماً، ستره الله يوم القيامة).
آخر البيالة: الحياة دائماً تعيد لك ما قدمته لغيرك من خير ومن شر. عش حياتك على مبدأ كن محسناً وإن لم تلق إحساناً، لأن الله يحب المحسنين. جميل أن يظن الناس بك خيراً، والأجمل أن تكون خيراً مما يظنون.
اللهم أعنا على فعل الخير واجعلنا ممن يسابقون على فعله. اللهم استعملنا لطاعتك وسخرنا لفعل كل ما يقربنا إليك واجعل لنا بصمة خير في هذه الدنيا.
No comments:
Post a Comment